تنوع درجات التقاضي حسب قانون أصول المحاكمات المدنية

يقوم قضاؤنا على مبدأ التقاضي على درجتين , وهذا هو الأصل , أما التقاضي على درجة واحدة فهو الاستثناء , ويستفاد ذلك من المادة 226 من قانون أصول المحاكمات التي جاء فيها أنه " يجوز للخصوم في غير الأحوال المستثناة بنص في القانون أن يستأنفوا أحكام المحاكم البدائية ". 


ويمكنّ مبدأ التقاضي على درجتين الخصوم من عرض النزاع على محكمة أول درجة , ثم عرضه مرة ثانية بعد ان تفصل فيه على محكمة أعلى منها هي محكمة درجة ثانية , أما مبدأ التقاضي على درجة واحدة فيجيز عرض النزاع على محكمة أول درجة دون محكمة ثاني درجة. 
فإذا عرض النزاع مثلاً على محكمة البداية , وهي من محاكم الدرجة الأولى , وفصلت فيه, فإن المشرع يجيز عرض هذا النزاع مرة ثانية أمام محكمة الاستئناف , وهي محكمة درجة ثانية  عن طريق الطعن في الحكم الصادر عن محكمة الدرجة الأولى , وهكذا يتم التقاضي على درجتين . 

وإذا تم التقاضي على درجتين وطعن في الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالنقض , فإن التقاضي لا يكون في هذه الحالة على ثلاث درجات ,لأن محكمة النقض هي – بحسب الأصل – محكمة قانون وليست محكمة موضوع فهي تمحص القضية من الناحية القانونية ولا تمحصها من الناحية الموضوعية ,وإذا نقضت الحكم المطعون فيه ,فإنها تعيد القضية إلى محكمة الاستئناف لتفصل فيها من جديد .

ولكن إذا طعن بالنقض في الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف مرة ثانية , ورأت محكمة النقض نقض الحكم المطعون فيه ,فإنها لا تعيد القضية  ثانية إلى محكمة الاستئناف , بل يجب عليها الفصل في موضوعها وتصبح محكمة النقض في هذه الحالة محكمة موضوع درجة ثالثة , ويكون التقاضي قد تم على ثلاث درجات .

أما التقاضي على درجة واحدة فيتم إذا كان حكم محكمة الدرجة الأولى لا يقبل الطعن بالاستئناف , كالأحكام الصلحية التي تصدر مبرمة , لأن القيمة أو البدل فيها لا يتجاوز ألف ليرة سورية . 

وأحسن المشرع السوري صنعاً إذ نوع درجات التقاضي فجمع بذلك ما بين محاسن التقاضي على درجة واحدة ومحاسن التقاضي على درجتين , في المسائل التي يرى أن محاسن أحدهما تفوق مساوئه .  فأنصار التقاضي على درجة واحدة يرون أنه يوفر السرعة في الفصل في القضايا , خلافاً للتقاضي على درجتين الذي يطيل فترة التقاضي فيضيع الوقت والجهد والمال , كما يرون أنه ليس من المنطق عرض النزاع مرة أخرى أمام  محاكم الدرجة الثانية خوفاً من وقوع محاكم الدرجة الأولى بالخطأ , لأن محاكم الدرجة الثانية ليست معصومة عن الوقوع في الخطأ أيضاً , بل ربما يكون حكم محكمة الدرجة الأولى أكثر عدلاً ومطابقة للقانون ,وإذا كان يظن بأن قضاة الدرجة الثانية أكثر خبرة ودراية من قضاة الدرجة الأولى فمن الأفضل إلغاء التقاضي أمام محاكم الدرجة الأولى , والسماح للمتقاضين باللجوء إلى محاكم الدرجة الثانية مباشرة , وإذا كان يتوقع تحصيل حكم أكثر عدالة عن طريق عرض النزاع على محاكم الدرجة الثانية , فمن المفروض إذن أن نجيز للخصوم أن يعرضوا دعواهم على محاكم درجة ثالثة ورابعة ...الخ الأمر الذي لا يستقيم القول به .


غير أن أنصار مبدأ التقاضي على درجتين يرون أنه على الرغم من أن هذا النوع من التقاضي يطيل أمد النزاع . إلا أنه يكفل حسن سير العدالة , فيتيح المجال لتصحيح أخطاء قاضي أول درجة , ويمكن أن يقتصر ذلك على القضايا المهمة , أما القضايا غير المهمة فيمكن الاكتفاء بشأنها بالتقاضي على درجة واحدة كالأحكام  التي تصدر عن محكمة الصلح في حدود نصاب اختصاصها القيمي , كما أن علم قاضي أول درجة بأن حكمه قد يعرض  على محكمة الدرجة الثانية يدفعه إلى الوصول بحكمه إلى أفضل تطبيق للقانون وتسبيبه تسبيباً منطقياً خشية إلغائه أو تعديله . ونظراً إلى أن قضاة الدرجة الثانية أكثر خبرة ودراية في المسائل القانونية وعلى الأغلب أكثر عدداً من قضاة محكمة الدرجة الأولى , فالقول بأن حكمهم قد يكون أقل توفيقاً من حكم قاضي أول درجة يبقى بعيد الاحتمال . 
غير أن هذا لا يعني الاستغناء عن قضاء الدرجة الأولى , لأن هذا القضاء يقدم إلى محكمة الدرجة الثانية خصومة سبقت مناقشتها ودراستها وصدر فيها حكم , وفي أغلب الأحيان يبرز الخصوم عيوب هذا الحكم , فيصدر حكم محكمة الدرجة الثانية بعد دراستين للقضية , وهذا أفضل من الاكتفاء بدراسة واحدة , ولكن هذا لا يعني أيضاً أن يكون التقاضي على ثلاث أو أربع أو خمس درجات ....الخ, لأن ذلك يؤدي إلى تأبيد المنازعات ويخرج طول فترة التقاضي عن الحد المعقول .