الموسوعة القانونيةمرجع قانوني عربي

الرئيسية مقالات قانونية مصادر القانون

الاجتهاد القضائي كمصدر من مصادر القانون

ما تستقرّ عليه المحاكم العليا من تفسير للنص — هل هو مصدر منشئ للقاعدة أم كاشف عنها؟

قاعة المحكمة
قاعة المحكمة — تصوير KATRIN BOLOVTSOVA عبر Pexels

تُقسَّم مصادر القانون إلى مصادر رسمية ومصادر تفسيرية. والمصدر الرسمي هو ما يستمدّ منه القاضي القاعدة ملزَماً، كالتشريع والعرف ومبادئ الشريعة ومبادئ العدالة. أما المصدر التفسيري فيُستأنس به ولا يُلزم، وفيه يوضع عادةً الاجتهاد القضائي والفقه.

ما المقصود بالاجتهاد القضائي

الاجتهاد القضائي هو مجموع المبادئ التي تستقرّ عليها المحاكم — ومحكمة النقض على رأسها — في تفسير النصوص وتطبيقها. وهو ليس حكماً منفرداً في دعوى، بل اتجاهٌ يتكرّر حتى يصير معلوماً للمتقاضين ومحاميهم، فيُبنى عليه السلوك قبل النزاع.

ويجب التمييز بينه وبين السابقة القضائية: السابقة قاعدة ملزِمة بذاتها للمحاكم الأدنى وللمحكمة نفسها مستقبلاً، وهي من خصائص النظام الأنجلوسكسوني. أما الاجتهاد في النظام اللاتيني فلا يلزم المحكمة بأن تستمر عليه، وإن كان ثقله الأدبي والعملي كبيراً.

الوجهالاجتهاد (النظام اللاتيني)السابقة (الأنجلوسكسوني)
مصدر الإلزامأدبي وعمليقانوني
أثره على المحاكم الأدنىموجِّهملزِم
العدول عنهجائز بتسبيبمقيَّد بشروط صارمة
موقعه بين المصادرتفسيريرسمي

لماذا يُعدّ مصدراً رغم عدم إلزامه

  1. لأن القاضي ممنوع من الامتناع عن الحكم. فإذا غمض النص أو سكت، لزمه مع ذلك أن يفصل. وهذا الإلزام يدفعه إلى بناء قاعدة، ومن تراكم هذا البناء ينشأ الاجتهاد.
  2. لأن النص عام ومجرَّد. والوقائع لا متناهية. فالتطبيق نفسه عملية إنشاء جزئية، إذ يحدّد القاضي معنى «الخطأ» و«الضرر» و«حسن النية» في واقعة بعينها.
  3. لأن وحدة التفسير مصلحة عامة. ومن هنا وظيفة محكمة النقض: لا مراجعة الوقائع، بل توحيد فهم القانون في الدولة.

حدّ لا يتجاوزه الاجتهاد

الاجتهاد يعمل عند غموض النص أو سكوته، لا في مواجهته. فلا اجتهاد مع نصّ صريح قاطع الدلالة؛ ومن خالف ذلك فقد شرّع، والتشريع ليس من وظيفة القضاء. وهذا الحدّ هو ما يحفظ مبدأ الفصل بين السلطات.

وظائف الاجتهاد

كيف يُستدلّ بالاجتهاد عملياً

الاستدلال الصحيح لا يكون بنقل منطوق الحكم وحده، بل بتحديد القاعدة التي قام عليها، والتحقق من أن وقائع الدعوى الحالية تماثل وقائع الحكم المستشهد به في العناصر المؤثرة. فالحكم ابن ظرفه، ونقله إلى واقعة مختلفة في عنصر جوهري استدلالٌ فاسد.

ويُنظر كذلك إلى مرتبة المحكمة وإلى تاريخ الحكم: فالاجتهاد يتغيّر، وقد تعدل محكمة النقض عن اتجاه سابق صراحةً أو ضمناً، فيصبح الاستناد إلى القديم خطأً في التكييف لا مجرد ضعف في الحجة.

هذه المادة ذات طابع تعريفي عام ولا تُغني عن استشارة محامٍ مختص في واقعة بعينها. النصوص النافذة وتعديلاتها هي المرجع عند الاختلاف.